أمين الحسناوي يكتب: الرشيدية.. حين تتحول السياسة من “تدبير للاختلاف” إلى “حرب وجود”

أمين الحسناوي
يتحدث العديد من متابعي الشأن المحلي بالرشيدية عن “السياسة” بمنطق الأشخاص المتصارعين، وبأسلوب يختزل المشهد في فلان ضد علان..
ولكن، وبحكم تتبعي للشأن المحلي والسياسي بالمدينة منذ 1996، بإمكاني القول إن وصف ما يجري عندنا بـ “السياسة” فيه ظلم كبير للسياسة نفسها، ولأخلاقها، ولأهدافها النبيلة..
فما نعيشه في المدينة ليس ممارسة سياسية، بقدر ما هو تصريف لأحقاد دفينة وصل إلى مستوى الإقصاء، والتصفية المعنوية، وشيطنة الآخر..
أزمة فهم.. أم أزمة قيم؟
هذا القصور الفادح في الممارسة مرتبط أساساً بقصور في فهم “العمل الحزبي” ومبادئه.. فالممارس لـ “الانتخاباوية” (بمعناها النفعي) يصعب عليه استيعاب مفاهيم مثل “الأطروحة الفكرية” أو “الورقة السياسية” أو “البرنامج التنموي”..
كل ما يفهمه، وما يهمه، هو إجابة واحدة لسؤال واحد: “من يمنحني التزكية لأكون وكيلاً للائحة؟”
هنا يتم إفراغ العمل الحزبي من محتواه، ويتم اختزاله في “تجار الانتخابات” الذين دشنوا خطابا بئيسا شاهدنا فصوله المخجلة في دورة المجلس الجماعي لشهر فبراير الأخيرة.. خطاب طغت عليه الصراعات الشخصية، والتحقير، وتصفية حسابات تعود لسنوات خلت..
من “حلبة النقاش” إلى “حلبة المصارعة”
حين يغيب “البرنامج” تحضر “الأنا” المتضخمة.. فتتحول دورات المجلس من فضاء للتداول في مشاريع التنمية وأرقام الميزانية، إلى حلبة “للمصارعة الحرة” تغيب فيها القواعد وتحضر فيها الضربات تحت الحزام..
وهذا يفسر ببساطة لماذا نرى منتخبين عاجزين عن تركيب “جملة سياسية مفيدة” تناقش تصورا أو رؤية للمدينة، لكنهم فصحاء جدا، وطلقاء اللسان، في لغة الوعيد والنبش في الأعراض والماضي الشخصي لخصومهم..
من “الصراع السياسي” إلى “العداء الوجودي”
إن المتتبع لما يجري اليوم يدرك خطورة المنعطف: لقد انتقلنا من مرحلة “الصراع السياسي” -وهو ظاهرة صحية مبنية على اختلاف البرامج- إلى مرحلة “العداء الوجودي”..
الطرف الآخر اليوم لا يسعى لهزيمة خصمه فكريا أو انتخابيا، بل يسعى لـ “محوه” وإلغائه تماما، وكأن الرشيدية لا تتسع للجميع..
هذا المنطق الإقصائي هو الابن الشرعي لغياب التكوين السياسي؛ فالذي لم يتربَّ داخل محاضن حزبية تعلمه أن “الاختلاف رحمة” وأن “التدبير مسؤولية”، سيتعامل مع المقعد وكأنه “غنيمة حرب”، ومع المعارض وكأنه “عدو يجب سحقه”..
ضريبة التيئيس.. وهجرة الكفاءات
الأخطر من كل هذا، هو الرسالة التي يرسلها هذا “البؤس السياسي” للأجيال الجديدة وللكفاءات المحلية..
رسالة مفادها: “العمل السياسي مستنقع قذر، والبقاء فيه للأكثر قدرة على الصراخ والشتم، لا للأكثر كفاءة ونزاهة”..
والنتيجة؟ عزوف الشرفاء، وهجرة الأدمغة، لتبقى الساحة فارغة لـ “تجار الانتخابات” يعيثون فيها فسادا، ويعيدون إنتاج نفس الرداءة في كل استحقاق..
السياسة في الرشيدية، بهذا المنطق، لم تفقد فقط أخلاقها، بل فقدت وظيفتها.. فبدلا من أن تكون أداة لحل مشاكل الساكنة، تحولت هي نفسها إلى “عقبة” تعيق التنمية.. تستهلك الزمن والجهد في معارك “دونكيشوتية” لا ناقة للمواطن فيها ولا جمل..
والنتيجة أمامكم.. مدينة تعيش على إيقاع “البلوكاج الذهني” قبل التدبيري.. ومواطن يدفع، من وقته وتنميته، ضريبة صراعات لا تعنيه في شيء..






