ذ.عبد الرحيم دحاوي يكتب..الشعبوية الثقافية

بقلم : عبد الرحيم دحاوي
تدعي الشعبوية العودة إلى الشعب وخدمة مصالحه وحقوقه؛ لذلك، فهي تجمل في عناصر أساسية: رفض الديمقراطية الليبرالية، واعتماد سياسة وفلسفة في الاقتصاد، وتبني خطة لإثارة المشاعر، وتصور ضيق للشعب. Pierre ROSAVALLON 2020)).
وإذا كان المقام لا يتسع للعودة إلى تطور مصطلح الشعبوية والتيارات السياسية التي تجسده، فإن الأمر يفرض أن نشير إلى أن الخطاب الشعبوي السياسي يرتكز على نظرة مانوية بين “النحن” “والهم”؛ أي الشعب وما ليس بهو، وعلى نظرة تمجد العرق والثقافة مع رفض الآخر، وعلى استدرار العواطف عوض مخاطبة العقول.
لقد كان الخطاب الشعبوي، في المجال السياسي الغربي، رد فعل على الخوف الناجم عن تحويل رؤوس الأموال خارج حدود الدول، وعن الخوف من الهجرة والقلق الديمغرافي، والرهبة من ”التحول الكبير”. أما في المجال الفكري ؛فقد وجدث الشعبوية فيما بعد الحدثة ما يستحثها على السير بالأمر إلى نهايته. كيف لا وما بعد الحداثة أو لنقل “الحداثة السائلة” تنماز بالخفة، ورفض السرديات الكبرى، بل والقول بنهاية التاريخ؟. لذلك ارتبطت هذه الدعوات ” بالتبشير” بالحروب الحضارية أو الثقافية، وأن الزمن ”زمن الهوية” كما صرح صحفي أمريكي لامع في بداية تسعينيات القرن المنصرم.
قد يجد المتابع لما يجري المحافظ على الإيمان بالإنسان وما راكمه من نبل عبر التاريخ، ما يسمح له بفهم -دون تفهم- نزوع السياسي إلى خطاب التحريض والتمترس حول الذات المنغلقة، وتفكيك كل ما لا يصب في مصلحته ولا يهم إن كان هو ذاته من صانعيه على غرار ما يفعله ترامب عراب الشعبوية من تفكيك للعولمة والياتها غير المأسوف عليها.
لم تعد الشعبوية، من حيث هي مخاطبة الشعب بما يحب سماعه لا بما يجب أن يسمع أمرا حبيسا على المجال السياسي، بل إنها وجدت لنفسها دعاة بين بعض أولئك الذين قدموا أنفسهم على أنهم مثقفون تتنويريون أو عضويون أو حتى ثغريون بلغة طه عبد الرحمان.
في هذا الإطار لا تخطئ العين، دعوات مشينة مستترة إلى العودة إلى روح القبيلة ورفض الآخر المختلف من حيث لغته أو دينه أو عرقه أو غير ذلك. ومن أجل الإمعان في تحريك العواطف وصرف النظر عن الأسئلة الجوهرية؛ يختزل، البعض، الوطن في بساط كرة أخضر بعد أن كان يعلمنا أن الكرة ملهاة تبطئ الفعل في التاريخ؛ هذا فضلا عن جعل الوطنية متجسدة في الكف عن تشجيع فريق أو منتخب وإن جمعك به التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك، والحال أن التشجيع واللعب لو كان يعكس هوية لكنا عاقبنا المدربين الذين لعبوا ضد أوطانهم بتهمة الخيانة. ولا تقتصر الشعبوية الثقافية على هذا، بل إن أصحابها يتعممون بعمامات المثقف وطرابيشه مكثرين من الاستشهادات خارج سياقاتها وبأصوات صاخبة تدعي البحث العلمي طلبا للعاطفة، أو إحياء لروح قبيلة ما ماتت بعد، وكنا نأمل أن يكرم المثقف مثواها مدافعا عن وطنية تضمن حق الجميع في الحياة الكريمة بل والاعتراف بما هو بدء بالكلي قبل الجزئي، وبالكوني والوطني الجامع قبل الخاص. بالإضافة إلى ذلك؛ لا تتورع الشعبوية الثقافية عن أن تناقض نفسها مخلة بالمعيارية، ومبينة أنها لا ترى أكثر من ذاتها ومصالحها الضيقة بصرف النظر عن الغير. في هذا الباب، كيف لنا أن نفهم رفض المثقف للهجرة تجاه بلدنا، ودفاعه، في الوقت نفسه، عن هجرة أبناء بلدنا وعن حقوقنا خلف البحار؟ ما الفرق بين خطابه وخطاب السياسي الشعبوي الفرنسي “المهاجرون جيدون في بلدانهم”. ألم نتعلم أن حقوق الإنسان شمولية وكونية؟؟
قد لا يكون من الجديد في شيء التذكير أن دور المثقف الملتزم أو العضوي أو الثغري يتجسد في أن يقول ما يجب لا ما يود الناس سماعه، وأن يبحث عن المشترك، وعن الكوني، وعن الإنسان فينا، وأن يغذي نبتة ما يجمع لا ما يفرق دون أن يعني ذلك تنكره للخصوصية أو الخصوصيات. على المثقف أن ينأى بنفسه عن درن الشعبوية التي تسعى إلى التسطيح وحشد الحشود قصد الحصول على نقرات إعجاب، أو الوصول إلى السلطة واستغلال الناس في حكومات سماها البعض “حكومات الأغنياء” Ploutocratie)). عليه أن يخلق الأمل، والأمل يبدأ من نظرة في صناعة التاريخ تؤمن أنه لم ينته ولم يفقد غاية وأنه، وحتى بعد أن ادعوا نهايته، شهد أحداثا جمة تسفه قولهم. ولعل آخر هذه الأحداث ملحمة غزة التي كشفت كيف يمكن لأعزل أن يظل وفيا لقيم في عالم قيل فيه بموت السرديات الكبرى ونهاية التاريخ (HISTOIRE). تظهر هذه الأحداث وغيرها من قبيل القضاء على الميز العنصري في جنوب إفريقيا أنه لا أحد يملك الصفارة حتى يحق له إطلاق صافرة النهاية، كما قال تيري إيغلنتون. ما يزال الكثير أمام الإنسانية ليعاش ويحكى وفق قيم الإنسان أو الإنسية الجديدة كما يسميها البعض؛ وتلك مهمة المثقف وإن جحدها السياسي وتنكرت لها الجموع.






