منبر الجهة8

د. الحبيب الشوباني يكتب: في تفكيك وهم كسر صمود المظلومين: تأملات سُننية في “قانون الإيلام المتبادل” من وحي الآية 104 من سورة النساء

د. الحبيب الشوباني

 أولا: مدخل منهجي في قراءة الألم ضمن السنن القرآنية

 أولا:  الألم بوصفه معطى سنني مركزي

لا يقدّم القرآن الكريم الألم بوصفه حادثاً عابراً في التاريخ، ولا يختزله في كونه نتيجة جانبية للصراع، بل يؤسّسه كمعطى سُنني مركزي في حركة التدافع بين الحق والباطل، والعدالة والعدوان. والألم، في المنظور القرآني، ليس حكراً على جبهة الاستضعاف كما توهم بذلك سرديات القوة، بل هو حالة متبادلة، غير متماثلة في المعنى والمآل، تخضع لقانون دقيق يمكن تسميته بـ “قانون الإيلام المتبادل”. ويتجلّى هذا القانون في قوله تعالى في الآية 104 من سورة النساء : ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. فالنص يكشف عن الفارق الجوهري بين ألمٍ متصل بالرجاء والغاية، وآخر منقطع عن المعنى والمصير. أي إنه يكشف زيف المعادلة التي تربط بين التفوق المادي وغياب الألم: ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾. أجل ! قد يكون في هذا المقطع معنى من معاني تعزية المظلومين من المؤمنين، لكن فيه بلا ريب تفكيك معرفي لوهم التماسك الظاهر لجبهة الظلم، التي تعيش ألم الخوف من السقوط، والقلق من المستقبل، والتناقض بين القوة المادية والفراغ القيمي، لكن ذلك كله يظل مكبوتا كي لا ينكشف انهيار بنيتها النفسية.

 ثانيا: الألم بين اللغةً والدلالة السُّننية القرآنية

الألم في اللغة مصدر “أَلِمَ يَأْلَمُ أَلَمًا” ، وهو الوجع الذي يصيب النفس أو الجسد، ويُستعمل حقيقةً في الحس، ومجازاً في المعنى، كالحزن والغمّ والضيق. ويشير هذا التعريف إلى أن الألم ليس مجرد شعور عابر، بل حقيقة متصلة بالوجود الإنساني، يمكن توظيفها في قراءة سُننيَّة للقوانين الأخلاقية والتاريخية، ويصبح بذلك قابلا للاستثمار في بناء وعي الصمود التاريخي.

أما قرآنيا، فلا يرِد مفهوم الألم في القرآن بوصفه حالة ذاتية معزولة، بل باعتباره عنصرا موضوعيا فاعلا في معادلة الصراع والتدافع بين القوى المتقابلة. فهو حقيقة مشتركة بين طرفي التدافع، لا يختص بأنصار جبهة الحق والعدل دون الآخرين. غير أن الاشتراك لا يعني تماثل الأثر؛ فالألم، حين يكون مصحوبًا بالرجاء والمعنى والغاية، يتحول إلى طاقة صمود وتماسك، بينما ينقلب، حين يُعاش مجردا من الأفق والقيمة، إلى عبء داخلي مفكك ينهش النفس ويقوّض الشرعية. ومن هنا، لا يعالج القرآن الألم بوصفه معاناة تُراد إزالتها فحسب، بل كأداة كشف وفرز تظهر الفارق بين من يتألم متجها إلى غايته، ومن يتألم فاقدا للمعنى.

 ثالثا: “قانون الإيلام المتبادل” كامتداد باطني ل”قانون التدافع”

إذا كان قانون التدافع يفسّر حركة الصراع في مستواها الظاهر، فإن “قانون الإيلام المتبادل” يفسّرها في مستواها الباطني. فالتاريخ لا يُحسم فقط بتوازن السلاح، بل بتوازن القدرة على تحمّل الألم وتأويله. وجبهة الظلم، مهما امتلكت من أدوات القهر، لا تنفلت من الألم، لكنها تعيشه في صورة خوف دائم، وقلق وجودي، واستنزاف نفسي، لأنها تفتقر إلى المعنى الذي يحوّل المعاناة إلى صمود. أما جبهة الحق، فحين تعي موقع الألم في السُّنن، يتحول وجعها إلى طاقة ثبات لا إلى سبب انهيار.

لذلك يُعدّ “قانون الإيلام المتبادل” امتدادًا نوعيًا لقانون التدافع، ليس فقط من حيث حركة الصراع المادي، بل من حيث البنية النفسية والمعنوية العميقة للجبهتين المتقابلتين. فالتدافع يتجسد في صراع الإرادات، وفي قدرة كل جبهة على تحمّل الألم وتأويله وتحويله إلى رصيد تاريخي. وهنا يتبدّى الفرق بين جبهة تستمدّ صمودها من أفقها الإيماني والأخلاقي، وجبهة تتكئ على فائض القوة العارية أخلاقيا، وتخفي تحت مظاهر التماسك هشاشة نفسية، وقلقا وجوديا عميقا.

 رابعا: بين “قانون الفعل وردّ الفعل” الفيزيائي، و”قانون الإيلام المتبادل” السُّنني

يكتسب “قانون الإيلام المتبادل” عمقه المنهجي الكامل حين يُقرأ في ضوء التقابل بين السنن الإلهية الحاكمة للتاريخ، والسنن الكونية الحاكمة للطبيعة. فكما أن الكون المادي لا يسمح بالفعل الأحادي، ويخضع لقانون صارم ينص على أن “لكل فعل ردّ فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في المنحى”، فإن التاريخ الإنساني بدوره لا يقبل الإيلام الأحادي دون أثر مرتد. غير أن القرآن لا يقدّم هذا الردّ في صورة آلية محايدة كما في الفيزياء، بل في صورة ردّ فعل أخلاقي ونفسي ورمزي تراكمي، يعمل في الزمن الطويل، ويستهدف المعنى والشرعية لا القوة المباشرة. وكلما كان الفعل أعنف وأكثر تطرفا، كانت طاقة الردّ السنني أعمق أثراً، وإن تأخر ظهورها. وبذلك يمنع القرآن استقرار الألم في جهة واحدة، كما تمنع قوانين الطبيعة استقرار الحركة دون مقاومة.

 خامسا: “الرجاء” بوصفه الفارق الحاسم في مآلات الألم

تبلغ الآية 104 من سورة النساء ذروتها السُّننية في تمييزها بين الجبهتين عبر عنصر الرجاء: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. فالرجاء هنا قد يكون فيه معنى التعزية النفسية التي تحبها الطبيعة البشرية المكلومة، لكن فيه بلا ربب أفقا تاريخيا يغيّر طبيعة الألم ذاته. فالألم الموصول بالرجاء يتحول إلى معنى وإلى قدرة على الاستمرار، بينما الألم المنفصل عن الغاية يتحول إلى عبء خانق، مهما حاول صاحبه تغليفه بخطاب القوة. وهكذا تصبح قوة “الرجاء” التي تنشأ في النفس من عدالة القضية، ومن عقيدة اليقين باشتغال القوانين الإلهية (“الإحاطة”، و”المكر”، و”الاستدراج”، و”الإملاء”،  و”المرصاد”)، هي الفاصل الحقيقي في معادلة الصمود، لا حجم الخسائر ولا ميزان السلاح.

 سادسا: الإيلام المتبادل في مشروع الاستيطان الإحلالي الصهيوني

قامت المشروع اليهودي الصهيوني في فلسطين المحتلة على وهم تعطيل السُّنن بالقوة، والاعتقاد بأن التفوق العسكري والدعم الدولي (حبل الناس) كفيلان بإنتاج إيلام أحادي الاتجاه. غير أن مسار الصراع منذ زُرع الكيان في فلسطين المحتلة يكشف أن كل جولة إيلام جسدي للفلسطينيين كانت تطلق، في المقابل، مسارا تراكميا من الإيلام المعنوي والأخلاقي الذي أصاب جوهر المشروع الصهيوني. فمع كل مجزرة، تآكلت الرواية، وتعاظم القلق الوجودي، واتسعت الهوة بين القوة المادية والمعنى الأخلاقي. لقد أُبيد الفلسطينين – وما يزالون – جسديا في الطنطورة ودير ياسين وصبرا وشاتيلا وجنين وغزة والقدس، لكن الكيان الصهيوني أُبيد معنويا وأخلاقيا ورمزيا في وعي العالم، وفي تماسك روايته المؤسِّسة. ومع طوفان الألم الجاري في غزة، لم تعد الإبادة فعلًا خفيا، بل شهادة كونية موثقة كشفت حجم الزيف الذي قامت علي سردية “الضحية الأبدية” و “الدولة الأخلاقية” و”شعب الله المختار” .

إن غزة، وهي تتلقى الألم بأقصى درجات القسوة، لا تعاني وحدها؛ فهي تُوجِع المشروع الصهيوني وجعا وجوديا عميقا. فغزة بوصفها مختبرا سُننيا لانكشاف سردية الزيف، تمثل اليوم التجلي الأوضح ل “قانون الإيلام المتبادل”. فالإبادة الجسدية الجارية دون توقف لم تنجح في كسر الإرادة، لكنها نجحت في تعرية الزيف الصهيوني على نطاق كوني. لقد تحوّل الألم الغزّي، بما هو موثّق بالصوت والصورة، إلى ردّ فعل تاريخي واسع، ضرب شرعية الكيان في مقتل، وحوّل تفوقه العسكري إلى عبء أخلاقي دائم. وهنا تتجسد المفارقة السننية الكبرى: ما أُريد له أن يكون حسمًا، صار انعطافة حادة نحو السقوط بالانكشاف الوجودي.

  سابعا : الإيلام المتبادل كآلية سُننية لإعادة التوازن

يستقر “قانون الإيلام المتبادل” في ضوء ما سبق، كأحد القوانين المركزية في مدوّنة السنن القرآنية، رابطاً بين قانون التدافع وقوانين السقوط التاريخي. فهو يفسّر كيف يُهزم الظلم من داخله قبل أن يُهزم في الظاهر، وكيف يعمل التاريخ وفق منطق تراكمي صارم لا تُلغيه القوة. وبهذا المعنى، لا يكون الألم نهاية المسار، بل إحدى آليات ضبط التوازن في العالم. إن الوعي السُّنني بالألم ينقل الأمة من منطق الشكوى إلى منطق الفهم، ومن الانكسار النفسي إلى الصمود التاريخي. فحين تدرك جبهة الحق أن خصمها يتألم بلا رجاء، وأن ألمها موصول بوعد الله، فإنها تتحرر من وهم الهزيمة، وتستعيد ثقتها بقوانين التاريخ. وهكذا تتحول غزة، في قلب الإبادة، إلى شاهد سُنني حيّ على أن الزيف، مهما طال أمده، محكوم بالسقوط. وبذلك يندمج “قانون الإيلام المتبادل” في مدوّنة السنن القرآنية بوصفه آلية ربانية لإعادة التوازن في التاريخ، وكبح أوهام السيطرة المطلقة. وكما أن التدافع يمنع فساد الأرض، فإن “الإيلام المتبادل” يمنع استقرار الظلم نفسيا وأخلاقيا، ويجعل جبهة الاستكبار تعيش في حالة نزيف داخلي دائم، إلى أن تبلغ لحظة الانكسار.

 خاتمة: من “وعي الألم” إلى “وعي الصمود”

إن الوعي ب “قانون الإيلام المتبادل” ليس ترفًا فكريًا، بل هو شرط من شروط الصمود التاريخي. فالأمة التي تدرك أن عدوها يتألم بلا رجاء، وأن ألمها موصول بوعد الله، لا تُهزم نفسيًا، ولا تنكسر معنويًا، ولا تستسلم لخطاب اليأس. وهكذا تتحول غزة، في قلب الإبادة، إلى مختبر سنني حيّ، يعيد صياغة وعي سنن التاريخ، ويؤكد أن الألم، حين يُقرأ بميزان القرآن، ليس نهاية الطريق، بل أحد مسارات العبور الحتمي نحو سقوط الزيف وانتصار الحقيقة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى