حوادثمجتمعمنبر الجهة8

مولاي الحسن الصوصي يكتب .. ميناء الناظور والجنوب الشرقي: عندما تصبح السكة الحديدية ميثاقاً للوفاء والإنماء

لا يمكن النظر إلى مشروع ميناء الناظور “غرب المتوسط” باعتباره مجرد ورش للهندسة المدنية أو أرصفة بحرية ممتدة في عرض البحر، بل هو في جوهره “مانيفستو” سيادي يهدف إلى إعادة رسم خارطة القوة الاقتصادية للمملكة على واجهة المتوسط؛ إلا أن هذا الطموح الاستراتيجي سيظل محاصراً في “عنق زجاجة” تنموية ما لم يتم استدراك الهفوة الكامنة في عزله عن عمقه الجغرافي الطبيعي في الجنوب الشرقي، وتحديداً في بوعرفة والرشيدية. إن أي قراءة رصينة في سيكولوجيا التنمية تؤكد أن الموانئ الكبرى لا تستمد عظمتها من قدرتها على استقبال البواخر العملاقة فحسب، بل من نجاعة شرايينها التي تضخ الحياة في “الظهير القاري” (Hinterland)، وهو ما يجعل ربط الميناء بهذا المحور ليس مجرد مطلب جهوي فئوي أو ترف لوجستيكي، بل هو ضرورة وطنية قصوى تفرضها حتمية التاريخ قبل الحسابات المادية. فالمنطق الاقتصادي السليم يخبرنا بأن المسار الرابط بين الناظور والجنوب الشرقي هو الأقل ممانعة تضاريسية والأكثر استقامة جغرافياً، مما يجعله الخيار الأقل تكلفة والأكثر استدامة، وكما يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو: “الكل أكثر من مجموع أجزائه”، وهكذا فإن قوة هذا الميناء لن تكتمل إلا حينما يصبح جسراً يربط المتوسط بالواحات والصحراء، محولاً تلك المناطق من “هوامش صامتة” إلى “أقطاب فاعلة” في الدورة الإنتاجية الوطنية.

إننا اليوم، وفي ظل الانخراط الواعي في “النموذج التنموي الجديد”، مطالبون بكسر القيود التقليدية التي حصرت التنمية في الواجهات البحرية وكرست واقع “المغرب بسرعتين”، حيث يركض مغرب المحاور الكبرى نحو المستقبل، بينما يظل المغرب العميق في بوعرفة والرشيدية رهين انتظارية منهكة ومشاريع معلقة على مشجب “الأولويات”. إن تجاهل ربط هذا القطب المينائي بالجنوب الشرقي يمثل إهداراً لثروات هائلة؛ فمنجمية تافيلالت وفلاحة الواحات وطاقة الشباب في تلك الربوع هي “كنوز نائمة” تنتظر فقط وسيلة وصل عصرية لتتدفق نحو الأسواق العالمية. وهنا نستحضر الحكمة التي تقول إن “الطرق هي التي تبني الأمم، وليس الأمم هي التي تبني الطرق”، فالبنية التحتية هي التي تخلق الرواج وليست مجرد استجابة له؛ وبناءً عليه، فإن تشييد خط سككي أو طرقي سريع يربط الناظور ببوعرفة والرشيدية هو في الحقيقة توقيع على “عقد اجتماعي” جديد ينهي عقوداً من التهميش الجغرافي، ويمنح أبناء تلك المناطق سبباً حقيقياً للتمسك بأرضهم بدلاً من الهجرة نحو المجهول، محولاً تلك الفضاءات من “خزانات للمواد الأولية” إلى منصات لوجستية وصناعية متكاملة ترفع من القيمة المضافة للمنتوج الوطني.

علاوة على ذلك، فإن استحضار البعد التاريخي يكشف لنا أن هذه المناطق لم تكن يوماً أطرافاً منسية، بل كانت “موانئ برية” وقوافل تجارية تربط ضفاف المتوسط بقلب إفريقيا جنوب الصحراء، واليوم يمنحنا ميناء الناظور الفرصة لاستعادة هذه الأمجاد بصيغة تكنولوجية حديثة. إن العدالة المجالية ليست مجرد مفردة لتزيين الخطابات السياسية، بل هي قرار شجاع يرفض أن يترك مواطناً خلف الركب لمجرد أنه يقطن بعيداً عن “مركز القرار”؛ لذا فإن الإصرار على حلول تقنية مكلفة في مسارات أخرى، مع تجاهل البديل المنطقي واليسير عبر الجنوب الشرقي، يضعنا أمام تساؤلات حقيقية حول “عقلانية التدبير الترابي”. إننا بحاجة إلى رؤية ترى في بوعرفة والرشيدية “البوابة الخلفية” والقوية لميناء الناظور، تماماً كما يرى الجسد في أطرافه وسيلته للحركة والثبات؛ وكما يقال في لغة الاستراتيجية: “إن قوة السلسلة تقاس بقوة أضعف حلقاتها”، ولن يكون الاقتصاد المغربي قوياً ومحصناً ما دامت هناك حلقات جغرافية واسعة تعيش خارج زمن الأوراش الكبرى.

إن الرهان على ميناء الناظور “غرب المتوسط” كرافعة للنمو هو رهان رابح بلا شك، لكنه يظل “رهاناً ناقصاً” ما لم يتحول إلى مشروع إنصاف وتصالح مع المجال والذاكرة. إن ربط الميناء بمحور بوعرفة والرشيدية يجب أن ينتقل من خانة “الدراسات المركونة في الرفوف” إلى خانة “السيادة التنموية” التي لا تقبل التأجيل، لأن كل يوم يمر دون هذا الربط هو نزيف في فرص الشغل وهدر للزمن التنموي. فالتنمية لا تُجزّأ، والمشاريع الوطنية الكبرى تفقد بوصلتها الأخلاقية إذا لم تكن شاملة للجميع؛ لذا فالمأمول اليوم هو قرار سياسي يجسد مغرب التضامن والوحدة، ويجعل من ميناء الناظور بوابة مفتوحة على كل الجهات، ليصبح بحق رئة يتنفس بها الشرق والجنوب الشرقي، وشرياناً يغذي قلب الوطن بطموح لا يحده أفق.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى