
سجل نائب رئيس جهة درعة تافيلالت، عبد الرحمان الدريسي، المنتمي لحزب الحركة الشعبية، غيابه للمرة السادسة على التوالي عن أشغال اجتماعات المكتب المسير، في مشهد لم يعد يقرأ كغياب عابر أو ظرفي، بل كعنوان واضح لأزمة سياسية داخل المكتب المسير، امتدت لما يقترب سنتين دون أي توضيح رسمي للرأي العام الجهوي.
الاجتماع الأخير للمكتب المسير لمجلس الجهة، انعقد بشكل عادٍ من حيث الشكل، وتم خلاله اعتماد عدد من النقط في جدول الأعمال، غير أن الكرسي الشاغر لنائب الرئيس الدريسي، ظل العلامة الأبرز في القاعة، في ظل صمت مطبق من رئاسة المجلس، وغياب أي اشارة الى هذا الغياب في منشور المجلس.
ويعيد هذا التطور إلى الواجهة ما وقع قبل خمس دورات، حين غاب الدريسي للمرة الخامسة، في سياق ارتبط مباشرة بتصريحاته داخل قبة البرلمان، عندما كشف عن اقتراض مجلس الجهة مبلغ 100 مليار سنتيم من صندوق التجهيز الجماعي لإنجاز مشاريع طرقية تدخل ضمن “برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية”، معتبراً أن تلك الأموال كان يمكن توجيهها لقطاعات أخرى لو احترمت الحكومة تعاقداتها مع الجهة، ومتحدثاً صراحة عن هدر للمال العام في مشاريع طرقية قروية تمتد لحوالي 22 ألف كيلومتر في غياب الصيانة.
تصريحات لم تكن تقنية بقدر ما كانت سياسية، ولم ترق لدوائر القرار داخل الجهة، حيث يرى متتبعون أنها كسرت جدار الصمت حول طريقة تدبير المشاريع الجهوية، وفضحت اختلالات في الأولويات، وهو ما جعل صاحبها يؤدي الثمن سياسياً داخل مجلس يفترض أنه يمثل كل أقاليم الجهة على قدم المساواة.
وتذهب أخبار متداولة بقوة في الكواليس الجهوية إلى أن استمرار غياب الدريسي مرتبط بصدامات مباشرة مع رئيس الجهة، بسبب ما يعتبره نائب الرئيس غيابا للعدالة المجالية في توزيع المشاريع، خاصة ما يتعلق بإقليم ورزازات، الذي تقول هذه المعطيات إنه لم يستفد من نصيبه العادل من برامج المجلس، في مقابل استمرار استفادة إقليم الرشيدية، دائرة ترشح الرئيس، المنتمي لحزب الحمامة، من الحصة الأكبر من المشاريع الجهوية.
هذا الوضع، إن صح، لا يعكس فقط خلافاً شخصيا بين رئيس ونائبه، بل يفضح خللا بنيويا في منطق التدبير الجهوي، حيث تتحول التنمية إلى ورقة سياسية، وتُوظف المشاريع العمومية بمنطق النفوذ بدل منطق الإنصاف الترابي الذي ينص عليه الدستور ومبادئ الجهوية المتقدمة.
ومع تسجيل الغياب السادس، يصبح السؤال أكبر من شخص عبد الرحمان الدريسي، كيف يمكن لمجلس جهة أن يدعي تمثيل ساكنة درعة تافيلالت، بينما يُقصى أحد نوابه بسبب دفاعه عن توزيع عادل للمشاريع؟ وكيف يمكن الحديث عن “تقليص الفوارق المجالية” في ظل معطيات تشير إلى إعادة إنتاج نفس الفوارق داخل الجهة نفسها؟
أمام هذا الصمت الرسمي المريب، وتراكم الغيابات دون مبرر، تتحول القضية من مجرد غياب إداري إلى أزمة سياسية وأخلاقية تمس مصداقية مجلس الجهة برمته، وتفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول من يحكم فعليا توزيع المشاريع، ومن يقرر من يستفيد ومن يُهمش.






