
بينما يترقب سكان جهة درعة تافيلالت بشغف حلم “نفق تيشكا” لإنهاء عقود من العزلة الجغرافية والمآسي الطرقية، تخرج المعطيات التقنية والسياسية الأخيرة لتكشف بونا شاسعا بين طموحات الساكنة وأداء مجلس الجهة.
ففي الوقت الذي اختار فيه رئيس الجهة، اهرو أبرو، سياسة “الصمت المبرر” بجهات عليا، جاءت تصريحات وزير التجهيز والنقل، نزار بركة، لتضع الجميع أمام واقع مؤسف: المشروع ليس “ممنوعاً من التداول”، بل هو ملف تقني ومالي وترافعي بامتياز، غابت فيه بصمة الجهة وحضرت فيه لغة التهرب.
هروب إلى الأمام.. “الجهات العليا” كشماعة للفشل
لقد دأب السيد اهرو أبرو، في مختلف المحطات التي واكبت إعداد برنامج التنمية الجهوية، على ترديد أسطوانة مفادها أن مشروع النفق “مشروع ملكي” وأن “جهات عليا” طلبت منه عدم الخوض فيه.
هذا الخطاب، الذي أريد به استجداء العذر عن ضعف الترافع، سقط في أول اختبار، فكيف يمنع رئيس جهة من الحديث عن مشروع يرهن مستقبل الملايين، بينما يستفيض وزير التجهيز في سرد تفاصيله المادية والتقنية والمسارات المقترحة (مسار أوريكة ومسار تيشكا) أمام ممثلي الأمة؟
إن تحصن الرئاسة خلف “سرية متوهمة” ليس إلا تعبيرا عن عجز سياسي في انتزاع ضمانات حقيقية للمشروع، ومحاولة لرفع الحرج عن مجلس لم يستطع جعل النفق أولوية قصوى في مفاوضاته مع المركز.
مسار “أوريكة” وذكاء الترافع المفقود
المعطيات التي قدمها نزار بركة حول تفضيل مسار “أوريكة” (10 كلم) رغم تكلفته الباهظة (10 مليارات درهم) تعكس غيابا تاماً لصوت جهة درعة تافيلالت في صياغة هذه الاختيارات.
فالمسار المختار، وإن كان يقلص مدة السفر بـ 82 دقيقة للشاحنات، فإنه يتطلب غلافاً مالياً ضخماً وشراكات بين القطاعين العام والخاص، وهي ملفات تحتاج إلى “رئيس مقاتل” في ردهات الوزارات، لا إلى مسؤول يكتفي بدور المتفرج بدعوى “الأوامر”.
المسؤولية السياسية: أين “برنامج التنمية الجهوية”؟
إن بناء مقولة “الفشل الترافعي” تستند إلى كون الجهة هي المحاور الأول للدولة في إطار الجهوية المتقدمة. فإذا كانت الدراسات التكميلية (الجيوفيزيائية والجيوتقنية) تكلف وحدها 30 مليون درهم، فأين هي مساهمة مجلس الجهة في تسريع هذه المساطر؟ وأين هي الدبلوماسية الاقتصادية لرئيس الجهة لجلب الشركاء من القطاع الخاص لهذا المشروع “الأساسي”؟
إن استمرار تعثر المقاولات في إنجاز الدراسات، والبحث الحالي عن مقترحات جديدة، يؤكد أن الملف يفتقد لـ “مخاطب جهوي” يضغط بقوة في الرباط لضمان جدية التنفيذ.
الخلاصة: الحاجة إلى الوضوح لا إلى “الغموض”
لا يمكن لجهة درعة تافيلالت أن تظل رهينة لخطاب “التخويف من الخوض في الملفات الكبرى”، إن المسؤولية السياسية لمجلس الجهة، تقتضي منه الخروج من دائرة “التحفظ غير المبرر” إلى دائرة “الترافع الشرس”.
فالأرقام التي كشفها الوزير بركة هي “صك إدانة” لسياسة الصمت؛ فالمشروع مطروح، والدراسات جارية، والميزانيات محددة بالمليارات، والعائق الوحيد هو غياب إرادة سياسية محلية قادرة على تحويل “النفق” من مجرد مادة للاستهلاك الانتخابي إلى ورش حقيقي على أرض الواقع. سكان ورزازات، تنغير، وزاكورة لا ينتظرون “أسراراً”، بل ينتظرون “آليات” و”جداول زمنية” وقوة سياسية تدافع عن حقهم في الحياة والتنقل.






