ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: الاقتطاع من المنبع على الموردين بالمغرب: إصلاح ضريبي جديد وتحديات تدبير السيولة داخل المقاولات

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في إطار مواصلة الإصلاحات الرامية إلى تحديث المنظومة الجبائية المغربية وتعزيز الشفافية المالية والرفع من مردودية التحصيل الضريبي، تدخل ابتداءً من فاتح يوليوز 2026 مرحلة جديدة من الإصلاح الضريبي حيز التنفيذ، وذلك بموجب مقتضيات قانون المالية لسنة 2026 والدورية رقم 737 الصادرة عن المديرية العامة للضرائب. ويهم هذا الإصلاح فئة مهمة من المقاولات الكبرى التي يفوق رقم معاملاتها السنوي 500 مليون درهم، حيث أصبحت ملزمة بتطبيق نظام الاقتطاع من المنبع على بعض العمليات المنجزة مع الموردين.
ويندرج هذا التوجه ضمن التحولات العالمية التي تعرفها الأنظمة الضريبية الحديثة، والتي تعتمد بشكل متزايد على آليات الاقتطاع عند المنبع باعتبارها وسيلة فعالة للحد من التهرب الضريبي وضمان استخلاص الضرائب في الوقت المناسب. وتستند هذه المقاربة إلى النظرية الاقتصادية المرتبطة بكفاءة التحصيل الضريبي، والتي تعتبر أن تقليص الفجوة الزمنية بين نشوء الوعاء الضريبي وأداء الضريبة يساهم في تحسين الموارد العمومية وتقليص مخاطر عدم التحصيل.
وبموجب المقتضيات الجديدة، ستصبح المقاولات المعنية مطالبة باقتطاع نسبة 75% من مبلغ الضريبة على القيمة المضافة المستحقة على بعض الموردين، بالإضافة إلى اقتطاع نسبة 5% من الضريبة على الشركات في الحالات المحددة قانوناً، مع تحويل هذه المبالغ مباشرة إلى الخزينة العامة. ويترتب عن ذلك تغيير جوهري في تدبير التدفقات المالية داخل المقاولة وفي العلاقة المالية التي تربطها بمورديها.
ومن الناحية المحاسبية والمالية، يعتبر التأثير الأبرز لهذا الإجراء هو انعكاسه المباشر على الخزينة (Trésorerie) وعلى احتياجات رأس المال العامل (Besoin en Fonds de Roulement). فالمقاولات ستصبح مطالبة بإعادة النظر في توقعاتها المالية وبرامجها الخاصة بالتدفقات النقدية، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على حجم كبير من المشتريات أو التي تعرف آجال أداء طويلة نسبياً.
أما من الزاوية الاجتماعية والاقتصادية، فإن نجاح هذا الإصلاح يظل مرتبطاً بمدى قدرة المقاولات على التكيف السريع مع المتطلبات الجديدة دون التأثير على استمرارية النشاط الاقتصادي أو على العلاقات التجارية مع الموردين. فكل تغيير في دورة الأداء أو في آليات معالجة الفواتير قد يؤدي إلى ضغوط مؤقتة على السيولة، خاصة بالنسبة للموردين الذين يعتمدون على التدفقات النقدية المنتظمة لتغطية التزاماتهم التشغيلية.
ومن منظور المدرسة القانونية الحديثة في المجال الجبائي، فإن هذا الإصلاح يعكس توجهاً متزايداً نحو إشراك الفاعلين الاقتصاديين في عملية التحصيل الضريبي، حيث تتحول بعض المقاولات الكبرى إلى طرف مساعد للإدارة الضريبية في استخلاص الضرائب وتتبعها. ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز الامتثال الضريبي وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية المالية داخل النسيج الاقتصادي الوطني.
وفي هذا السياق، يتعين على المقاولات المعنية اتخاذ مجموعة من التدابير الاستباقية لضمان انتقال سلس نحو النظام الجديد. أول هذه التدابير يتمثل في إجراء دراسة دقيقة لتأثير الإجراء على السيولة واحتياجات التمويل قصيرة الأجل، مع إعداد سيناريوهات مالية مختلفة لتفادي أي اختناق نقدي محتمل. كما يصبح من الضروري تحديث أنظمة الفوترة والبرامج المعلوماتية وأنظمة ERP حتى تتمكن من احتساب الاقتطاعات الجديدة بشكل أوتوماتيكي ودقيق، مع ضمان سلامة المعالجة المحاسبية والجبائية.
كذلك يكتسي التنسيق المسبق مع الخبراء المحاسبين والمستشارين الجبائيين أهمية خاصة، ليس فقط من أجل ضمان الامتثال القانوني، بل أيضاً لتحديد أفضل الممارسات المتعلقة بتدبير الخزينة وإعادة تنظيم المساطر الداخلية للمقاولة. فالإعداد المسبق والتخطيط المالي السليم سيشكلان عنصرين حاسمين لتجاوز أي صعوبات قد تظهر خلال المراحل الأولى من التطبيق.
إن الإصلاحات الضريبية الحديثة لم تعد تقتصر على تغيير النسب أو توسيع الوعاء الضريبي، بل أصبحت تؤثر بشكل مباشر على نماذج التسيير المالي وعلى آليات اتخاذ القرار داخل المقاولات. ومن ثم فإن نجاح المقاولات في هذه المرحلة لن يقاس فقط بمدى احترامها للمقتضيات القانونية الجديدة، وإنما أيضاً بقدرتها على تحويل هذا التحدي التنظيمي إلى فرصة لتعزيز الحكامة المالية وتحسين جودة تدبير السيولة والتخطيط الاستراتيجي.
ويبقى الرهان الأساسي لهذا الإصلاح هو تحقيق التوازن بين متطلبات الدولة في تعزيز مواردها الجبائية وضمان الشفافية، وبين حاجة المقاولات إلى الحفاظ على استقرارها المالي وقدرتها التنافسية، بما يساهم في بناء منظومة اقتصادية أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.





