د. الحبيب الشوباني يكتب: تفكيك هندسة الاستدراج لأوهام السيطرة: تأملات سُننيَّة في “قانون الاستدراج الإلهي” من وحي الآية 182 من سورة الأعراف

د. الحبيب الشوباني
أولًا: مدخل منهجي
لم يكتم القرآن تهديده لدوائر صناعة المكر تاريخيًا، بل أعلنه بيقين من يعلم عجزهم عن امتلاك طاقة الاستبصار لفهم التمكين على غير ما يشي به ظاهره، وتنبئ به حقيقته المستترة. فجاء الوحي مُشهرًا بلاغه تصريحًا لا تلميحًا ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 182). إن هذا السياق القرآني لا يتجه إلى توصيف لحظة السقوط، بقدر ما ينصرف إلى تفكيك المسار الذي يُفضي إليها. فهو لا يتحدث عن نهاية مفاجئة، ولا عن انقطاع مباغت في حركة التاريخ، وإنما عن اشتغال هادئ ودقيق لقانون يحكم العلاقة بين فعل الماكرين حين يستغرقون في وهم قدرتهم، وبين المآلات التي تتشكل خارج وعيهم المباشر. وضمن هذا الأفق، لا يُفهم الاستدراج بوصفه خطابًا إرشاديًا موجَّهًا للضمير الفردي فحسب، ولا توصيفًا لخلل أخلاقي معزول، بل باعتباره قانونًا سننيًا يحكم حركة استعمال القوة غير العادلة في الاجتماع الإنساني، ويكشف حدود أوهام السيطرة الطاغية والهيمنة الباغية.
ثانيًا: قانون الاستدراج الإلهي في فهوم كبار المفسرين
يكشف التفسير التراثي للآية أن الاستدراج لا يعني الإهمال ولا التساهل مع الظلم، بل الإمهال المقصود في سياق الجزاء العادل. وقد اتجه كبار المفسرين، من الطبري إلى الزمخشري ، والرازي ، والقرطبي ، وابن عاشور ، إلى أن الاستدراج يقوم على التوسعة في أسباب القوة مع استمرار الانحراف، بحيث يُترك الفاعل في وهم الاطمئنان إلى قدرته، إلى أن يستنفد فعله منطقه الداخلي، ثم يُؤخذ من حيث لا يحتسب.
ولا يُفهم هذا الأخذ على أنه انتقام فجائي، بل بوصفه تحقّقًا لمآلات اختارها الفعل البشري حين عزل القوة عن القيم، والتدبير عن العدل. ومن هنا ينتقل مفهوم الاستدراج من دلالته التفسيرية الجزئية إلى أفقه السنني الواسع، باعتباره قانونًا يحكم حركة التدافع البشري، خاصة في سياقات الصراع والهيمنة، حيث يغدو النجاح المرحلي عنصرًا من عناصر الاختبار، لا دليلًا على سلامة المسار ولا على نضج القرار.
ثالثًا: قانون الاستدراج الإلهي كناموس للاشتغال السنني التاريخي
يُظهر البيان القرآني أن الاستدراج لا يقوم على سلب الفاعل أدوات الفعل، بل على تركها مسخَّرة له لتعمل بكامل طاقتها. فالتمكين لا يُرفع، والأسباب لا تُعطَّل، والنجاحات لا تُنسف، بل يُسمح لها بالتراكم في سياق يبدو من داخله متماسكًا، بينما تتآكل شروط استمراره في العمق.
وهنا تكمن خطورة اشتغال قانون الاستدراج الإلهي؛ إذ لا يُقاس بالنتائج القريبة، بل بالمآلات البعيدة التي لا تدخل عادة في حسابات القوة المنتشية بذاتها وبمكاسب الهيمنة. وبهذا المعنى، لا يكون الاستدراج نقيضًا للعقل الاستراتيجي، بل نتيجة لانغلاقه على ذاته، حين يتحول التخطيط إلى أداة لتأكيد القناعات بدل اختبارها، وحين يصبح النجاح المتكرر قرينة مضلِّلة على صحة المسار، لا موضوعًا للمساءلة والشك، رغم ثبوت الانحرافات.
رابعًا: العمى السنني ووهم السيطرة
من خطاب الوحي يُفهم أن الجهل المنتج للاستدراج — ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: يجهلون السنن الحاكمة لمسار أفعالهم — ليس نقصًا في المعرفة ولا ضعفًا في التحليل، بل عمى سنني يصيب الفاعل حين يعجز عن إدراك العلاقة بين ما ينجزه تخطيطه في الحاضر، وما يراكمه عَماهُ للمستقبل. إنه جهل بطبيعة الزمن التاريخي، الذي لا يتحرك في استقامة منتظمة، ولا يكافئ القوة لذاتها، بل يختبر قدرتها على التعايش مع حدودها. وفي هذا السياق، يتشكل وهم السيطرة حين يُساء فهم التقدم المرحلي بوصفه ضمانة دائمة، وحين يُختزل التاريخ في سلسلة من الإنجازات التقنية والعسكرية والسياسية والدعائية، مع تجاهل ما تُنتجه هذه الإنجازات من تصدعات أخلاقية ورمزية، لا تظهر آثارها فورًا، لكنها تعمل بصمت داخل بنية حاكمة صماء، لأنها بنية صارت مستأسرة لأوهام السيطرة.
خامسًا: الاستدراج كآلية تفكيك داخلية
لا يشتغل قانون الاستدراج الإلهي على قاعدة الصدام، بل على قاعدة الانسياب الناعم. فهو لا يُقابل المشروع المهيمن بالمنع، بل بالتمكين الممتد، ولا يواجهه بالتعطيل، بل بترك منطقه الداخلي يبلغ منتهاه. وفي هذه النقطة تحديدًا يتحول النجاح نفسه إلى عنصر غواية، إذ تُجبَر المنظومة على تقديس اختياراتها ورموزها، حتى حين تتغير الشروط، وحين تصبح تلك الاختيارات عبئًا لا يمكن التراجع عنه دون انهيار السردية المؤسسة برمتها. وهكذا يتحول الاستدراج إلى هندسة محكمة لسقوط طويل الأمد، فلا تُدرَك لحظة الارتطام بجدار الردع السُّنني إلا حين تصبح العودة عن المصير المأساوي شبه مستحيلة.
سادسًا: قانون الاستدراج الإلهي في حالة “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية”
في حالة المشروع الصهيوني القائم على الظلم والعدوان في أرض فلسطين وشعبها، لا يتجلى الاستدراج في مقدمات تأسيس الكيان الاستيطاني فحسب، بل في ما تلاها من مراكمته للقدرة العسكرية، وتسييجه بالدعم الدولي الامبريالي، وشرعنته بالاختراق التطبيعي، وتسييده بالهيمنة السردية. هذا التراكم، الذي قُرئ طويلًا بوصفه دليلًا على نجاح المشروع وقدرته على فرض نفسه كأمر واقع، كان يحمل في داخله بذور مأزقه العميق. فمع كل توسع عدواني، كانت تتآكل شرعية الوجود المصطنع. ومع كل حرب ظالمة، كانت تتسع الفجوة بين خطاب التحضر المزعوم وحقيقة الصورة المتوحشة. ومع كل توظيف انتقائي لتعطيل القانون الدولي، كانت تتآكل بقايا المصداقية في خطاب المؤسس أو المحتضن أو المتخاذل.
وبدل أن يقود ذلك إلى مراجعة بنيوية، أعاد المشروع إنتاج منطقه ذاته، مراهنا على مزيد من الغرور والعنف والمكر والتطبيع، في حركة دائرية عمّقت الاستدراج ولم تكسره، إلى أن ارتطم المشروع الأعمى بقدر الطوفان المبصر، فتجلت في المشهد نقطة الانعطاف نحو السقوط المتسارع الكبير.
سابعًا: لحظة الانكشاف وحدود السيطرة
تاريخيًا، لا تسقط المشاريع المهيمنة حين تشك في ذاتها، بل حين تكفّ عن الشك تمامًا. ففي لحظة الاطمئنان الكامل، تفقد القدرة على رؤية نفسها من الخارج، وتتعطل حساسيتها تجاه التحولات العميقة في الوعي العالمي.
ووفق قانون الاستدراج الإلهي، لا يكون هذا العمى عرضًا طارئًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من النجاح غير الخاضع للافتحاص والمساءلة. وهنا لا تأتي لحظة الانكشاف عادة في صورة هزيمة عسكرية حاسمة، بل في صورة أزمة وجودية مركبة: أزمة المعنى، وأزمة التبرير، وأزمة الكلفة الفلكية للاسنمرار، واستحالة الانغراس في حوض حضاري طارد، بحيث يغدو السؤال: لماذا وُجد هذا المشروع أصلًا، ولماذا ينبغي أن يستمر؟ سؤالًا واضحًا… بلا جواب مقنع.
خاتمة
إن قانون الاستدراج الإلهي، حين يُقرأ في ضوء السنن التاريخية، يكشف أن أخطر ما يصيب مشاريع الهيمنة ليس نقص القوة، بل فائضها الأعمى وغير المنضبط لحسابات العقل الرشيد. فهو يفسر كيف تتحول القدرة إلى عبء لا يُحتمل، والنجاح إلى فخ محكم، والسيطرة إلى وهم يتغذى على ذاته، ويعطل ملكة الشك، حتى ينهار.
وفي سياق استحضار مأزق الحل الصهيوني للمسألة اليهودية في فلسطين المحتلة، لا يسمح هذا القانون بفهم الأزمة بوصفها حادثة سياسية عابرة، بل نتيجة لمسار طويل من الاستدراج الإلهي السنني، حيث أُسيء تأويل التمكين بالاستيطان، وأُغلق باب المراجعة بالأساطير الدينية، وتُرك المشروع عاريًا من سلطان القيم، يواجه مآلاته كما صنعها عماه بيديه. وهكذا يلتقي قانون الاستدراج بقانون المكر في تقرير حقيقة سننية قرآنية بالغة الدلالة:
أن الحق لا يُهزم بالقوة قَطّ، لكنه يُنهي — بقانون الاستدراج الإلهي — كلَّ وهمٍ يعتقد أنه قادر على الإفلات من عدالة سلطانه…!






