منبر الجهة8

د. الحبيب الشوباني يكتب: تفكيك هندسة الإحاطة لمنع الإفلات والانفلات: تأملات سُنّية في قانون الإحاطة الإلهي من وحي الآية 20 من سورة البروج

د. الحبيب الشوباني

 أولا : مقدمة منهجية

في قَصص الوحي، لا يعرض القرآن الصراع بين رموز الحق ورموز الباطل بوصفه مواجهة خطية بين فاعلين متكافئين في الحيلة والقدرة، بل يؤسسه على حقيقة وجود اختلال كبير جدا في موازين القوة، بين المكر البشري المحدود والتدبير الإلهي المحيط. فالآية 20 من سورة البروج تعلن هذه الحقيقة وتصدع بها: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾. إن السياق لا يفيد تعقيبًا إنشائيًا على فعل رموز معسكر الباطل، بل تقريرًا لقانون يحكم مسار المكر ذاته: يحدّد سقفه، ويضبط مآلاته، ويمنع انفلاته وتحوله إلى سيادة مطلقة في التاريخ. فالمكر البشري على ضوء حقائق الوحي، مهما بلغت خبرته، يتحرك داخل نطاق الإحاطة الإلهية التي تضمّ العلم والقدرة والسيطرة الشاملة؛ وبذلك تظل كل خطوة مراقبة وموجَّهة ضمن هذا النسق. إن فهم هذه الإحاطة يمنح رؤية دقيقة لكيفية اشتغال الضبط الإلهي لمكر القوى الطاغية في التاريخ، دون الحاجة إلى تدخل مباشر في كل تفصيل.

 ثانيا: مفهوم الإحاطة لغويًا وفي فهوم المفسرين

الإحاطة في اللسان العربي تعني الاستدارة الشاملة على الشيء من جميع جهاته، بحيث يُمنع من الإفلات والانفلات. وأما القرآن فينقل هذا المعنى ليؤكد أن الله محيط بكل ما يصنع الإنسان: بالنية قبل أن تولد، وبالتخطيط قبل أن يُنفّذ، وبالنتيجة قبل أن تُدرَك.

فالإحاطة ليست مجرد علم أو قدرة منفصلة، بل هي الهيمنة الشاملة على الإرادة والمسار والمآل، بحيث يتحرك الإنسان في وعاء سنني مغلق، يُعاد فيه توجيه خطواته سننيًا نحو مسارات لم يتوقعها، ونهايات لم يخطط لها. بموجب هذا القانون الإلهي يسمح للمكر أن يظهر، ثم يُحاك له حسابه مجملا بطريقة لا تترك للماكر حظّاً للإفلات، ولا للمكر منفذا للإنفلات.

إلى هذا المعنى يشير عموم المفسرين. فالطبري يؤكد أن الله لا يُعجزه شيء من تدبيرهم، ولا يفوته شيء من مكرهم. ويبرز الزمخشري البعد البلاغي لـ”من ورائهم”، إذ يُدفعون إلى الأمام بينما تُحاك النهاية من خلفهم.

وأما الرازي فيضيف أن أفعالهم تصبح وسائل لعقوبتهم، وأسباب النجاة تتحوّل إلى أدوات هلاك. في حين يوضح ابن عاشور أن الإحاطة سنّة تاريخية، تسمح للمكر باستكمال منطقه لكن ضمن حدود تمنع تحوّله إلى نظام دائم أو خيار عدل بديل.

وتؤكد هذه الرؤى التفسيرية أن الإحاطة تظل إطارًا أعلى يضمن ضبط التاريخ وتحويل كل مكر مستكبر إلى جزء من حكمة إلهية أوسع.

 ثالثًا: قانون الإحاطة كناموس حاكم لمصير الطغيان

يمكن تعريف قانون الإحاطة الإلهي بأنه القانون السنني الذي يمنع مكر القوى الباغية من التحول إلى سيادة مستقلة ومطلقة على حكم التاريخ، عبر احتوائه داخل مسار ينقلب فيه مآله على أهدافه المرسومة سلفًا.

فالإحاطة تسمح للمكر والماكر معا بالتمدد والانتشاء، فينكشف فساد منطق أفعالهما، وتستخدم هذا التمدد لتقويض مشروعيتهما. المكر بهذا المعنى قد ينجح مؤقتًا، لكن الماكر يفقد القدرة على ضبط النتائج النهائية لما يتوهمه نجاحًا. هذا القانون ليس مجرد قاعدة نظرية، بل آلية عملية نشيطة في مسارات التاريخ، تكشف هشاشة أي مشروع قائم على الغرور والتجاوز والاستكبار. إنه مكون أساسي ضمن منظومة سننية مندمجة، تحكم الكون المادي والاجتماع الإنساني على السواء، وتهيمن عليهما.

 رابعًا: وهم السيطرة الكاملة وعمى الإحاطة 

أخطر ما يصيب مشاريع العلو والافساد في التاريخ هو الاعتقاد أنها تسيطر على عامل الزمن، وعلى إمكانيات الاستعباد بالسردية، وعلى حق ردع ردود الأفعال. هذا العمى الإحاطي يظهر حين يرى الفاعل التفاصيل ولا ينتبه للإطار الأشمل لحركة التاريخ؛ لذلك تجده يحسب الحيلة نجاحًا، بينما هي انكشاف مؤجّل، يحول القوة إلى عبء منهِك، والسردية إلى مصدر قلق دائم، والجهاز القهري إلى مؤسسات إنتاج فاشلة، أما سياسات التحريض فمسرح مكشوف لعطالة فكرية قاتلة.

لذلك، كلما تعقدت تدابير المكر، ضاقت به منافذ الإحاطة أكثر، حتى يصبح الماكر محاصرًا بنتائج أفعاله لا بعداوة أعدائه فقط. ينتج عن هذا التفكيك، أن كل تفوق مادي أو عسكري يظل محدودًا أمام قانون الإحاطة الإلهي، لأن من خصائص هذا القانون تحويل كل تصرف مستكبر إلى حبل يلفه المستكبر حول عنقه، وهو لاهٍ عن مصيره المأساوي.

 خامسًا: الإحاطة كآلية صامتة لمنع الإفلات والانفلات

ككل القوانين الإلهية التي سبق تناولها، لا يعمل قانون الإحاطة الإلهي بالصدمة المباشرة، بل بتراكم الأخطاء، وتفشي التناقضات، وتضخم الكلفة الأخلاقية والرمزية للاستكبار والعلو.

يبني النسق المستكبر نظامه السياسي، والأمني، والإعلامي، والقانوني، والعسكري، ثم تتحول هذه البُنى إلى مصادر تصدُّع وانهيار داخلي في ظروف قد لا تكون متوقعة من أشد المراكز خبرة وقدرة على الاستشراف: فالأمن يضطرب بتفشي الخوف، والإعلام يفقد المصداقية بالكذب، والقانون يصبح أداة إدانة باستعماله الانتقائي، والقوة العسكرية تفقد الغاية بتحولها إلى منظومة بطش وقهر. هنا تظهر الإحاطة كمهندس متخصص في التفكيك الداخلي طويل الأمد لمشاريع العلو والافساد. من وحي هذا المنظور، يصبح ممكنا قراءة التاريخ بعين تميز بين النجاحات المرحلية، وبين النتائج النهائية المحتومة لكل مشروع مستبد.

 سادسًا: قانون الإحاطة وحالة الحل الصهيوني للمسألة اليهودية

يمثل وجود الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة – باعتباره حلًا صنعه مكر العقل الصهيوني للمسألة اليهودية – نموذجًا مكتملًا لوهم الإفلات والانفلات من قانون الإحاطة الإلهي.

في مدخلات هذا المكر التاريخي الكبير نجد طلائع الاستيطان اليهودي تحت مسمى السياحة الدينية منذ نهاية القرن التاسع عشر؛ وتحالفات إمبريالية للإجهاز على نظام الخلافة الإسلامية؛ وتفوقًا عسكريا مسخرا لذلك؛ ومنظومات صناعة القرار الأممي على المقاس؛ وهيمنة سردية وإعلامية ومالية.. إلخ.

لكن مع ذلك كله، لا تملك هذه القوى التحرك خارج سلطان قانون الإحاطة الإلهي المهيمن. فما هي إذن مخرجات هذا المكر بعد قرن من زمن الإملاء والاستدراج؟

الجواب الذي لا يرده منصف: الدولة التي صُممت لتكون وطنًا قوميًّا آمنًا لليهود، صارت أخطر مكان على أمنهم في العالم؛ والسردية التي فُصلت شرعيتها على اللحن الجنائزي للمظلومية التاريخية والهولوكوست النازي، انقلبت إلى سردية نازيين جدد، عولمت وخلّدت تفاصيل جرائمهم وسائط الثورة الرقمية العاتية؛ والقوة التي أرادت الحسم بالردع الإبادي صارت عاجزة عن إنتاج الأمن والمعنى والعيش في محيط متوثب يموج غيظا للحسم مع هذا الوجود الباغي.

لقد رسم قانون الإحاطة الإلهي مآلات المشهد بوضوح سافر: مكر الاستكبار يتوسع لكنه يفقد السيطرة على نتائجه، وقوة العلو والفساد تتراكم، لكنها تُحاصر بأثرها غير الأخلاقي وغير الإنساني. هذا النموذج يوضح كيف أن قانون الإحاطة الإلهي يعمل كإطار شامل يحفظ توازن القوى، ويكشف إفلات أي مشروع يقوم على المكر والعنف من العقاب المستحق عدلًا، أو انفلاته من قهر قوانين الردع السنني حكمًا.

 خاتمة

تكشف الآية موضوع التدبر: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أن أخطر ما يواجه مشاريع العلو والفساد ليس جهود وجهاد المقاومة المباشرة وحدها، بل فقدان القدرة على الخروج من الإطار الذي تعمل داخله.

فالمكر قد ينجح، والقوة قد تطغى، والزمن قد يُمهل، لكن الإحاطة تظل تضبط السقف، وتحرس المعنى، وتمنع التاريخ من الانقلاب إلى عبث.

في فلسطين المحتلة، يتجلى هذا القدَر بوضوح: يُفكَّك المشروع الصهيوني سننيًا بقانون الإحاطة الذي حول مكره إلى شهادة إدانة كونية؛ يتأكد في جحيم الإبادة الغزية أن الطغيان لا يعمل خارج السيطرة الإلهية، وأن نهاياته تُكتب من حيث يظن التمترس في أمان؛ في غزة تتحول الإحاطة الإلهية  من مفردة عقائدية إرشادية، إلى مفهوم سنني ذي طاقة تفسيرية هائلة، ومفتاح يكشف حدود الهيمنة المؤقتة لمشاريع الافساد والعلوم الكبير في الأرض.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى